الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
121
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
لسائر الأحوال في حال الوضع وهو مما لا يتوهمه أحد في المقام ولو فرض ذهول الواضع عن تعميم بل ملاحظته لذات المعنى لا بشرط شيء كان في التعميم المذكور فعلم بما قررنا أن عدم شمول الوضع في المقام بحال اجتماع المعنى مع غيره متوقف على اعتبار أحد الوجهين المتوسطين والمال فيهما واحد سيجيء القول فيهما وفيما هو التحقيق في المقام إن شاء الله قوله بأن يراد في إطلاق واحد إلى آخره قد عرفت أن مجرد ذلك غير كاف في المقام بل لا بد مع ذلك من تعدد الإرادة بأن يكون كل منهما مرادا على سبيل الاستقلال مع قطع النظر عن الآخر فمجرد إرادة المعنيين بإرادة واحدة من اللفظ ولو كان كل منهما مستقلا في تعلق الحكم غير محل النزاع إذ ليس المستعمل فيه إذن إلا المعنيين معا وليس اللفظ موضوعا بإزائهما قطعا وتعلق الوضع بكل منهما لا يقضي بكون المعنيين معا موضوعا له أيضا ضرورة عدم تعلق شيء من الوضعين به والحاصل أنه لا فرق بينه وبين ما إذا تعلق الحكم بالمجموع أصلا إلا بمجرد الاعتبار كما مر ثم إن اعتبار استقلالها في تعلق الحكم كما اعتبره قد نص عليه جماعة منهم وقد عرفت أيضا أنه مما لا وجه له فهم قد أهملوا ما هو المناط في محل النزاع أعني الاستقلال في الاستعمال والإرادة من اللفظ واعتبروا ما لا يعتبر فيه وهو الاستقلال في تعلق الحكم فلا تغفل قوله وهو غير مشترط بما اشترط في عكسه قد عرفت فيما تقدم أنه لا عبرة بخصوص شيء من أنواع العلائق المعروفة المذكورة في كلمات المتأخرين بل إنما يتبع جواز التجوز وجود العلاقة التي لا يستهجن استعمال اللفظ الموضوع لغير المعنى المفروض في ذلك المعنى من جهتها وذلك هو المناط في صحة التجوز وهو غير حاصل في المقام لظهور متروكية الاستعمال في المعنيين على النحو المذكور وعدم جريانه مجرى الاستعمالات الجارية في كلامهم فعلى فرض كون المراد من اللفظ حينئذ مغايرا لا وضع له كيف يصحّ التجوز بالنسبة إليه ومع الغض عما ذكرناه فلا ريب في عدم ثبوت الاطراد في أنواع العلاقات ليحكم بصحة الاستعمال كلما تحقق شيء منها بل لا بد من ملاحظة عدم استهجان الاستعمال في المحاورات وحينئذ فكيف يصح الاستناد إلى مجرد وجود نوع العلاقة مع الإعراض عنه في الاستعمالات قوله إنها في قوّة تكرر المفرد إلى آخره إن أراد أنهما في قوة تكرير المفرد بالعطف مطلقا ممنوع إذ غاية ما يسلم من ذلك كونها في قوة تكرير المفرد في إفادة التعدد في الجملة وإن أراد أنهما في قوة ذلك في الجملة فلا يفيده شيئا إذ هو مما لا كلام فيه قوله والظاهر اعتبار الاتفاق في اللفظ إلى آخره ظاهر كلامه أن ذلك مقدمة مستقلة لا أنه متفرع على ما ادعاه أولا وحينئذ فنقول إنه إن ثبت ما استظهره في المقام فلا حاجة إلى ضم المقدمة الأولى ولا الثالثة إذ مع ثبوت الاكتفاء في بنائها بالاتفاق في اللفظ يتم ما ادعاه من الاستعمال فيما يزيد على المعنى الواحد ثم إن استظهره من الاكتفاء بالاتفاق في اللفظ غير ظاهر ومعظم أهل العربية ذهبوا إلى المنع منه والظاهر المتبادر منهما في العرف هو الفردان أو الأفراد من جنس واحد بحيث لا يكاد يشك في ذلك من تأمل في الإطلاقات وأيضا قد أشرنا سابقا إلى أن الظاهر أن العلامة التثنية والجمع وضعا حرفيا مغاير الوضع مدخوليهما كما هو الحال في وضع التنوين فهي حروف غير مستقلة لفظا ومعنى لاحقة لتلك الألفاظ لإفادة معاني زائدة حاصلة في مدخوليهما كما هو الحال في وضع سائر الحروف فلا يكون مفادها منافيا لما يستفاد من مدخولها فعلى هذا ينبغي أن يكون التعدد المستفاد منه منهما غير مناف للوحدة الملحوظة في مفردهما على ما ادعاه فإذا جعلنا التعدد المستفاد من تلك العلامات بالنظر إلى حصول ذلك المعنى في ضمن فردين أو أفراد كما هو الظاهر فلا منافاة بينهما أصلا ولا إشارة فيهما إذن إلى تعدد نفس المعنى وأما على ما ذكروه من إفادة التعدد مطلقا فالمنافاة ظاهرة فيما لو كان التعدد بسبب الاختلاف في تفسير المعنى وأيضا لو أريد المعنيان أو المعاني المتعددة من المفرد المدخول لتلك العلامات كان التعدد مستفادا من المفرد بنفسه فلا تكون العلامة اللاحقة مفيدة لمعنى جديد على نحو غيرها من الحروف اللاحقة فإنها إنما وضعت لبيان حالات لاحقة لمدخولها أو متعلقها مما لا يستفاد ذلك إلا بواسطتها كما في سرت من البصرة إلى الكوفة لدلالة من وإلى علي الابتداء والانتهاء وهما حالان لمدخوليهما أو لمتعلقهما وربما يتكلف لتصحيح ذلك بما مرت الإشارة إليه إلا أنه لا يلائم ظاهر كلام المصنف كما عرفت وسنشير إليه إن شاء الله تعالى قوله وتأويل بعضهم له بالمسمى تعسف بعيد ما اختاره المصنف في ذلك ظاهر في اكتفائه في التعدد المستفاد من التثنية والجمع بتعدد نفس مدلول اللفظ من غير دلالته على تعدد المصداق وهو في غاية البعد من العرف ولا يوافق ما هو المعروف في وضع الحروف كما مر إلا أن يقال بثبوت وضع خاص لمجموع المفرد والعلامة اللاحقة له من غير أن يكون هناك وضع حرفي لخصوص العلامة اللاحقة كما هو الشأن في الجموع المكسرة وهو بعيد غاية ما يمكن أن يتكلف في المقام أن يقال إن العلامة المذكورة إنما تفيد تعدد المفرد سواء كان ذلك الفرد المتعدد من جنس واحد أو أزيد وهذا كما ترى غير جار في تثنية الأعلام وجمعها فلا مناص فيهما من التوجيه فلا يتجه الاحتجاج بهما في المقام وأيضا لا شك في كون تثنية الأعلام وجمعها نكرة حسبما اتفقت عليه النجاة ويدل عليه دخول لام التعريف عليهما وخروجهما من منع الصرف فليست تلك الأعلام باقية على معانيها كما هو مناط الاستدلال فيكون المراد بها مفهوم المسمى بذلك وهو معنى شائع في الأعلام كما مر في مررت بأحمدكم وبأحمد آخر فيراد من علامتي التثنية والجمع ما يراد من غيرها فالخروج عن ظاهر الوضع إنما هو في مدخول العلامة لا فيها فما ذكره من أن التأويل المذكور تعسف بعيد ليس في محله بعد ما عرفت من قيام الدليل عليه مضافا إلى تصريح جماعة من أساطين النجاة به بل لا يبعد كونه المنساق منها في العرف عند التأمل حيث إن لحوق تلك العلامات قرينة دالة عليه قوله فكما أنه يجوز إلى آخره قد عرفت أن هذه المقدمة لا حاجة إليها بعد استظهار الاكتفاء بالاتفاق في اللفظ وكأنها منضمة إلى المقدمة الأولى ومتفرعة عليها فإنه لما ادعي كونهما في قوة تكرير المفرد بالعطف فرع عليه أنه كما يجوز إرادة المعاني المتعددة من الألفاظ المتحدة المتعاطفة وكذا ما بمنزلتها فهاتان المقدمتان يفيد أن الاكتفاء بالاتفاق في اللفظ في بنائهما فهذا في الحقيقة وجه آخر لما ادعاه من الاكتفاء بالاتفاق في اللفظ وحينئذ فلا يخفى ما في تعبيره من الاضطراب وأنت خبير بأن الدعوى المذكورة في محل المنع وحمل المتعدد المستفاد من التثنية والجمع على التعدد المستفاد من الألفاظ المتحدة المتعاطفة قياس في اللغة وهو بخصوصه فاسد سيما بعد عدم مساعدة العرف عليه وظهور خلافه منه وأيضا ليست التثنية إلا بمنزلة لفظين متعاطفين فجواز استعمال كل واحد منها في معنى مغاير